ابن تيمية
107
مجموعة الفتاوى
دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْهَدِيَّةَ وَبَدَلَ الْقَرْضِ عِوَضاً عَنْ الْقَرْضِ وَهَذَا عَيْنُ الرِّبَا ؛ فَإِنَّ الْقَرْضَ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ إلَّا مِثْلَهُ . وَلَوْ قَالَ لَهُ وَقِّتْ الْقَرْضَ : أَنَا أُعْطِيك مِثْلَهُ وَهَذِهِ الْهَدِيَّةَ : لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ . فَإِذَا أَعْطَاهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَجْلِ الْقَرْضِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ مَعَهَا مِثْلَ الْقَرْضِ كَانَ ذَلِكَ مُعَاقَدَةً عَلَى أَخْذِ أَكْثَرِ مِن الأَصْلِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَهْدَى إلَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَرْضِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِقَبُولِ الْهَدِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يُنْظِرَهُ لِأَجَلِهَا فَيَصِيرُ بِمِائَةِ وَالْهَدِيَّةُ بِمِائَةِ إلَى أَجَلٍ وَهَذَا عَيْنُ الرِّبَا ؛ بِخِلَافِ الْمِائَةِ بِمِائَةِ مِثْلِهَا فِي الصِّفَةِ . وَلَوْ شُرِطَ فِيهَا الْأَجَلُ ؛ فَإِنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةِ ؛ إذْ الْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ الشَّيْءَ بِمَا يُسَاوِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَى أَجَلٍ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصِّفَةِ كَبَيْعِ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ وَنَقْدٍ بِنَقْدِ آخَرَ إلَى أَجَلٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي الْمُشَارَكَةِ : فَإِنَّهُ إذَا قَبِلَ هَدِيَّةَ الْعَامِلِ وَنَفْعَهُ الَّذِي إنَّمَا بَذَلَهُ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِلَا عِوَضٍ مَعَ اشْتِرَاطِهِ النَّصِيبَ مِن الرِّبْحِ : كَانَ هَذَا الْقَبُولُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُعَاقَدَةً عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَ النَّصِيبِ الشَّائِعِ شَيْئاً غَيْرَهُ ؛ بِمَنْزِلَةِ زَرْعِ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ . وَقَدْ لَا يَحْصُلُ رِبْحٌ فَيَكُونُ الْعَامِلُ مَقْهُوراً مَظْلُوماً ؛ وَلِهَذَا يَطْلُبُ الْعَامِلُ بَدَلَ هَدِيَّتِهِ وَيَحْتَسِبُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ فَإِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ عَنْهَا وَإِلَّا خَانَهُ فِي الْمَالِ : أَصْلِهِ